تستعرض الكاتبة والصحفية الفلسطينية إيمان أبو زايد في تقريرها المنشور عبر منصة "تروث أوت" مأساة صامتة تتجاوز حدود الدمار الفوري في قطاع غزة، حيث ترسم الحرب مستقبلاً صحياً قاتماً للأجيال القادمة.

 

تشير الكاتبة إلى أن آثار العدوان الذي بدأ في عام 2023 لا تتوقف عند ركام المنازل، بل تمتد لتصيب الفئات الأكثر هشاشة، وهن النساء الحوامل وأطفالهن، إذ تسجل أقسام الولادة ارتفاعاً مخيفاً في حالات الإجهاض، والولادات المبكرة، والعيوب الخلقية النادرة التي لم تكن معهودة بهذا الشكل قبل اندلاع المواجهات العسكرية.


ذكرت منصة "تروث أوت" (Truthout) أن المتفجرات تخلف وراءها خليطاً معقداً من المعادن الثقيلة والمركبات السامة، فضلاً عن المخاطر البيئية الناتجة عن استخدام الفوسفور الأبيض، وهو سلاح كيميائي سام استخدمه الجيش الإسرائيلي بكثافة.

 

تترسب هذه المواد في الهواء، وتلوث التربة، وتستقر بين الأنقاض، مما يجعلها مصدراً دائماً للتعرض السام للسكان. ويؤكد الأطباء في الميدان أن الغبار والدخان والمواد الكيميائية المنبعثة من القصف تمثل عوامل بيئية جوهرية تساهم في تفاقم هذه الأزمات الصحية، رغم صعوبة إجراء التحليلات المختبرية الدقيقة في ظل تدمير البنية التحتية الصحية للقطاع.

 

رحلات النزوح القسرية ومعاناة المواليد الجدد

 

تروي سميرة كفانة، وهي أم لثلاثة أطفال، معاناتها المريرة أثناء نزوحها من شمال غزة إلى جنوبها وهي حامل، حيث سارت مسافات طويلة وسط سحب الدخان والسموم الناتجة عن القصف. تسببت هذه الظروف القاسية في ولادة طفلها "عمر" في الشهر الثامن بوزن ضئيل وحالة صحية غير مستقرة، مما استوجب رعاية طبية مستمرة في خيمة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.

 

ويؤكد المتخصصون في طب النساء والتوليد أن هذه الحالات التي تعاني من مضاعفات تنفسية وجسدية حادة لدى المواليد أصبحت نمطاً متكرراً يثير القلق، ويعكس حجم الضرر البيئي الذي لحق بالأجنة داخل الأرحام نتيجة استنشاق الملوثات الحربية.

 

المجاعة وسوء التغذية كأدوات لقتل الأجنة

 

تتجلى أبعاد الأزمة في قصة "إيناس عبدو" التي عانت من نقص حاد في الغذاء أثناء حملها الأول، مما أدى في نهاية المطاف إلى وفاة طفلتها "راما" بعد وقت قصير من ولادتها بعملية قيصرية. يعكس هذا الحادث الواقع الأليم الذي تواجهه آلاف النساء في غزة، حيث يضعف سوء التغذية أجساد الأمهات ويؤثر مباشرة على فرص بقاء الأجنة على قيد الحياة.

 

ويربط الأطباء بين غياب الرعاية الغذائية والطبية وبين ارتفاع مخاطر الوفيات بين حديثي الولادة، مما يحول تجربة الحمل في غزة إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر القاتلة تحت وطأة الجوع والحرب وانهيار المنظومة الصحية التي كانت تقدم الحد الأدنى من الخدمات.

 

مخاطر بيئية طويلة الأمد تهدد أطفال المستقبل

 

تتجاوز المخاطر الصحية لحظة الولادة لتشمل تهديدات مستمرة للأطفال الذين ينمون في بيئة ملوثة بالكامل، حيث تلاحظ الطواقم الطبية ارتفاعاً في معدلات الأمراض التنفسية، والالتهابات الجلدية المتكررة، والأعراض العصبية العامة. وتبرز قصة "مها النجار" التي يعاني طفلها "يوسف" من تأخر في النمو واعتلالات صحية غامضة نتيجة تعرضها للأتربة والدخان أثناء حملها في مراكز الإيواء المزدحمة.

 

تضع هذه الظروف المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية كبرى تستوجب إجراء تحقيقات بيئية وطبية مستقلة، وفحص عينات التربة والمياه والهواء، لمواجهة العواقب الصحية طويلة الأمد التي قد تلاحق سكان غزة لعقود، ولحماية جيل يولد في بيئة مشبعة بسموم الحرب والدمار.

 

https://truthout.org/articles/war-pollutants-may-be-poisoning-a-generation-of-mothers-and-their-babies-in-gaza/